البرهان: لا تفاوض مع التمرد ومسيرة التطهير ماضية — وتكريم قادة صنعوا انتصارات “الكرامة”
الخرطوم، 29 أبريل 2026 — كانت القاعة تجمع رجالاً خدموا في أشد اللحظات قسوة، ورحلوا عن مناصبهم وهم يعلمون أن من يخلفهم سيحمل ثقلاً لا يُوصف. احتفالية تكريم رئيس وأعضاء هيئة الأركان السابقين لم تكن مجرد مراسم وأوسمة وكلمات مُعدّة سلفاً — كانت لحظة يُعلن فيها القائد العام للقوات المسلحة أمام شهود التاريخ أن الطريق محسوم، وأن ثمة عهداً لا يتزعزع بين الجيش وشعبه.
وقف الفريق أول عبد الفتاح البرهان ليخاطب القاعة بما فيها من ذاكرة وتجربة وتضحية، وقال بوضوح لا يحتمل التأويل: “مسيرة القضاء على المليشيا المتمردة مستمرة لتطهير البلاد من دنس التمرد”. ثم أضاف ما يُغلق باباً ظل البعض يتساءل عن مصيره: لا تفاوض مع المتمردين أو من يساندهم ويتعاون معهم.
جملتان. لكن وزنهما يُعادل سياسة كاملة وخارطة طريق واضحة في بلد يخوض حرباً طالت أكثر مما أراد أحد.
لا تفاوض: الرسالة ومن تعنيهم
حين يُعلن القائد العام “لا تفاوض” في هذا التوقيت بالذات، فهو لا يتحدث في فراغ. الساحة الدولية والإقليمية تضجّ بمساعي الوساطة والمبادرات والمقترحات التي تُحاول إيجاد مخرج تفاوضي للأزمة السودانية. وإعلان البرهان هذا يُعيد تحديد الموقف السوداني الرسمي بشكل صريح: ما يجري ليس نزاعاً سياسياً بين طرفين يحق لهما التفاوض، بل هو تمرد مسلح تنتهي معالجته بالحسم العسكري لا بطاولة المفاوضات.
وعبارة “أو من يساندهم ويتعاون معهم” ذات دلالة موسّعة مقصودة — فهي تشمل بشكل ضمني كل الأطراف الإقليمية والدولية التي تُقدّم دعماً لوجستياً أو سياسياً أو مالياً للدعم السريع، وتُبلّغهم بأن أي طرف يُتحاور معهم بنيّة إدماج المليشيا في أي ترتيب مستقبلي لن يجد أمامه انفتاحاً من الخرطوم.
التحليل الجيوسياسي
تأتي هذه التصريحات بعد أيام قليلة من الجولة الخليجية للبرهان التي شملت جدة ومسقط، وبعد أسابيع من التقدم الميداني الموثق في كردفان والنيل الأزرق. هذا التسلسل ليس مصادفة — البرهان يتحدث من موقع قوة متصاعدة لا من موقع ضغط. الجولة الخليجية أمّنت الدعم السياسي والتنسيق الإقليمي، والتقدم الميداني وفّر الرصيد العسكري. والإعلان عن “لا تفاوض” في هذا السياق يعني: الخرطوم لا تحتاج التفاوض لأن ميزان القوى يتحول لصالحها. الرسالة للداخل تعزز المعنويات، وللخارج تحدد شروط أي تسوية مستقبلية: حسم كامل لا تقاسم سلطة.
وفاءً للشعب الذي صبر
لعل أكثر ما قاله البرهان صدىً في القاعة — وخارجها — هو عبارته عن الشعب السوداني الذي “صبر وعانى من ويلات هذا التمرد والكابوس”. في هذه الجملة البسيطة اعتراف علني بحجم المعاناة التي لا يمكن لأي مسؤول أن يُنكرها، وفي الوقت ذاته التزام أمام هذا الشعب بأن التضحية التي دفعها ثمناً للصمود لن تذهب هباءً.
الجيش السوداني الذي يُقدّم عليه القائد العام في هذه المناسبة ليس جيشاً يتحدث عن انتصار محتمل — بل جيش يسرد انتصارات بدأت تتراكم في محاور متعددة: كردفان، النيل الأزرق، أحياء في الخرطوم، جنوب السودان. والحديث عن “الوفاء للشعب” يعني أن هذه الانتصارات لها ثمن إنساني حقيقي ينبغي أن يُتذكر مع كل خبر تقدم.
“القوات المسلحة مستمرة في نهجها القائم على العطاء والتضحية بدمائها الغالية — وفاءً للشعب السوداني الذي صبر وعانى من ويلات هذا التمرد والكابوس”
— الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الخرطوم — 29 أبريل 2026
العطا يرسم خارطة النصر: حتى أم دافوق
جاء حديث الفريق أول ركن ياسر عبد الرحمن العطا، عضو مجلس السيادة ورئيس هيئة الأركان، ليُضيف بُعداً عملياتياً ملموساً لما أعلنه البرهان. العطا لم يتحدث بعمومية — حدّد جغرافياً: حتى أم دافوق والنيل الأزرق.
أم دافوق — المدينة على الحدود السودانية الأفريقية الوسطى — تمثّل نقطة نفوذ استراتيجية يعرف أهميتها كل من تابع خطوط الإمداد للدعم السريع من الجنوب الغربي. الإشارة إليها بالاسم ليست خطابية — هي خارطة طريق عسكرية تُعلَن أمام ضباط محترفين يفهمون تضاريس الميدان.
والنيل الأزرق الذي ذكره العطا هو الإقليم الذي شهد مؤخراً وصول تعزيزات قوات “درع السودان” بقيادة اللواء أبو عاقلة كيكل، وتحرير منطقة مقجة — مما يعني أن الإقليم ليس في الخطاب وحده بل في صلب العمليات الجارية.
الرجال الذين كُرّموا: من هم؟
لا يُقرأ التكريم بمعزل عن أصحابه. القادة الذين نالوا التكريم في هذه الاحتفالية ليسوا وجوهاً بيروقراطية — هم رجال شغلوا أعلى المناصب العسكرية في أحلك مراحل الحرب وتركوا بصماتهم على مسارها.
الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين، رئيس هيئة الأركان السابق الذي قاد المؤسسة العسكرية في مرحلة بالغة الحساسية. والفريق أول ركن مجدي إبراهيم عثمان والفريق أول مهندس ركن خالد عابدين محمد أحمد الشامي، أعضاء هيئة الأركان السابقون الذين يمثّلون تراكماً مؤسسياً وخبرة قيادية نادرة. وإلى جانبهم الفريق مهندس ركن عمر سر الختم، قائد قوات الدفاع الجوي السابق — وقوات الدفاع الجوي هي التي كانت على خط المواجهة الأول في التصدي لحرب المسيّرات التي شنّتها المليشيا.
تكريم هؤلاء ليس استعراضاً — هو توثيق للتاريخ، وإشارة للمؤسسة العسكرية بأن التضحية لها ثمن معترف به، وأن الخدمة الصادقة لا تُنسى.
الجدول الزمني: مسار “حرب الكرامة” نحو الحسم
القوات المسلحة تستعيد مناطق استراتيجية في العاصمة وتُعيد فتح مطار الخرطوم أمام الرحلات الداخلية رغم قصف المسيّرات.
البرهان في جدة ومسقط — إدانة إيران وتأكيد الانحياز الخليجي وبحث ملف البحر الأحمر والتنسيق الأمني.
تدمير 34 آلية في 72 ساعة وتحرير مقجة واستسلام مقاتلي الحوازمة — مؤشرات انهيار معنوي للمليشيا.
البرهان يُجدد العهد أمام قادة التاريخ: التطهير مستمر وخارطة الطريق واضحة حتى أم دافوق والنيل الأزرق.
ما يعنيه لصانع القرار
خلاصة: كلمات تُرسم بالدماء وتُؤكّد بالتضحية
الكلمات في السياسة رخيصة إلا حين تأتي في سياق يجعلها تكلّف شيئاً. البرهان لم يُعلن “لا تفاوض” من فراغ — أعلنها أمام رجال دفعوا ثمن القرارات الصعبة من أعمارهم ومن دم رجالهم، في قاعة تجمع ذاكرة جيل كامل من المؤسسة العسكرية السودانية.
وياسر العطا حين يذكر أم دافوق والنيل الأزرق لا يُلقي وعداً خطابياً — يُخاطب ضباطاً يعرفون تلك المناطق بخطوطها الحمراء وبياناتها الاستخباراتية وتضاريسها التي يمكن أن تكون جحيماً أو طريق نصر.
السودان يمضي في طريقه. ببطء أحياناً، وبتكلفة باهظة دائماً — لكنه يمضي. وهذه الاحتفالية ليست نهاية مسيرة بل استراحة محارب يُكرّم من سبقوه ثم يعود إلى الطريق.
- بيان إعلام مجلس السيادة الانتقالي السوداني — 29 أبريل 2026
- تصريحات الفريق أول ياسر عبد الرحمن العطا
- أرشيف SudanDesk — ملف العمليات العسكرية 2026
- متابعات SudanDesk الميدانية


