الخرطوم تعيد ترتيب المشهد الأمني.. البرهان يقود اجتماعاً حاسماً لمجلس الأمن والدفاع
الخرطوم | السودان ديسك
في توقيت بالغ الحساسية، عقد مجلس الأمن والدفاع السوداني اجتماعه الدوري بالعاصمة الخرطوم برئاسة رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في خطوة تعكس انتقال الدولة من مرحلة الدفاع الميداني إلى مرحلة تثبيت السيطرة وإعادة تنظيم الداخل الأمني والخدمي بعد أشهر طويلة من الحرب والتوترات.
الاجتماع الذي شاركت فيه كامل عضوية المجلس حمل رسائل متعددة، عسكرية وأمنية وسياسية، لكنه ركز بصورة واضحة على ملفين أساسيين، استقرار المدن، وتأمين مرحلة العودة التدريجية للحياة الطبيعية في المناطق التي استعادت فيها الدولة زمام المبادرة.
رسائل الميدان.. الجيش يوسع نفوذه
قدم وزير الدفاع الفريق حسن داؤود كبرون خلال الاجتماع إحاطة حول التطورات العسكرية، مشيداً بما وصفه بالانتصارات التي حققتها القوات المسلحة والقوات المساندة في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور.
هذه الإشارة ليست مجرد توصيف ميداني عابر، بل تحمل دلالة على أن المؤسسة العسكرية تريد تثبيت صورة التفوق العملياتي في أكثر الجبهات تعقيداً، خاصة مع استمرار المعارك في بعض مناطق دارفور واتساع النشاط المسلح في أطراف البلاد.
الخطاب الرسمي بدا حريصاً كذلك على ربط العمليات العسكرية بمفاهيم القانون والسيادة وحقوق الإنسان، وهي نقطة تعكس إدراكاً متزايداً لحساسية المرحلة داخلياً وخارجياً، خصوصاً في ظل الرقابة الدولية المكثفة على الملف السوداني.
الخرطوم.. من ساحة حرب إلى معركة استقرار
أحد أبرز محاور الاجتماع تمثل في التشديد على توفير الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية للمواطنين العائدين إلى مناطقهم.
هذه النقطة تكشف أن الدولة بدأت تنظر إلى ملف العودة باعتباره تحدياً أمنياً وخدمياً في آن واحد، لأن أي فراغ خدمي داخل العاصمة قد يعيد إنتاج الفوضى أو يفتح المجال أمام نشاطات خارجة عن السيطرة.
الخرطوم لم تعد فقط مدينة خارجة من الحرب، بل أصبحت اختباراً لقدرة الدولة على استعادة وظائفها الأساسية، من الأمن وحتى الخدمات اليومية.
ضبط السلاح داخل المدن
وجه المجلس الجهات المختصة بضبط تحركات الأفراد والعربات القتالية والمسلحة داخل المدن والأسواق، وهي خطوة تعكس قلقاً واضحاً من انتشار السلاح خارج الأطر الرسمية.
هذا القرار يحمل بعداً استراتيجياً مهماً، لأن مرحلة ما بعد المعارك غالباً ما تكون أكثر خطورة من المعارك نفسها إذا لم يتم ضبط القوى المسلحة والتحركات غير المنظمة داخل المناطق المدنية.
كما دعا الاجتماع إلى وضع ضوابط للخلايا الأمنية بالمحليات وتعزيز التحريات بشأن المتعاونين مع المليشيا المتمردة، في إشارة إلى أن الأجهزة الأمنية تتجه نحو مرحلة فرز أمني واستخباراتي أكثر دقة داخل المدن.
بين الأمن والسياسة
الاجتماع حمل أيضاً بعداً معنوياً واضحاً، بعد ترحم المجلس على شهداء ما وصفها بـ”معركة الكرامة”، مع الدعاء للجرحى وعودة الأسرى والمفقودين.
هذه اللغة تؤكد استمرار اعتماد الخطاب الرسمي على البعد التعبوي والرمزي للحرب، مع محاولة الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية وإظهار المعركة باعتبارها قضية سيادة وطنية لا مجرد صراع عسكري محدود.
ماذا يعني هذا الاجتماع؟
عملياً، يمكن قراءة الاجتماع باعتباره إعلاناً غير مباشر عن دخول الدولة مرحلة “إدارة ما بعد الاستعادة”، أي الانتقال من التركيز الكامل على العمليات العسكرية إلى إعادة بناء السيطرة داخل المدن وتنظيم المشهد الأمني والخدمي.
لكن التحدي الحقيقي لن يكون فقط في الانتصارات العسكرية، بل في قدرة المؤسسات على فرض القانون، ضبط السلاح، وإعادة الخدمات بسرعة كافية تمنع عودة الفوضى أو تشكل بؤر أمنية جديدة.
السودان يقف الآن أمام مرحلة دقيقة، حيث يصبح الأمن مرتبطاً مباشرة بالكهرباء والمياه والأسواق وحركة المواطنين، لا فقط بخطوط القتال.
وفي الخرطوم تحديداً، تبدو معركة الدولة القادمة ليست فقط ضد السلاح، بل ضد الفراغ أيضاً.


