لقد صار اللقاءُ بين زعيمَين في هذا الزمان مادّةً للصور وخطبِ المجاملة، حتّى لتظنَّ أنّ الدبلوماسيةَ قد صارت فنًّا من فنون التصوير لا فنًّا من فنون السياسة. غير أنّ اجتماعَ البرهانِ وأردوغانَ يحملُ من البشائرِ ما يستحقُّ أنْ يُوقَف عنده، ويُتأمَّلَ فيه بعينٍ غيرِ مُغمَضة.
“تركيا دولةٌ تعرفُ كيف تبني، وأردوغانُ رجلٌ أثبتَ عقودًا أنّه لا يمدُّ يدَه إلى شريك إلّا ليُعطيَه قبلَ أنْ يأخذ.”
فتركيا دولةٌ تعرفُ كيف تبني، وأردوغانُ رجلٌ أثبتَ عقودًا أنّه لا يمدُّ يدَه إلى شريك إلّا ليُعطيَه قبلَ أنْ يأخذ. وما التواجدُ التركيُّ في أفريقيا إلّا شاهدٌ على هذا؛ فقد دخلَت أنقرةُ من بابِ التعليمِ والصحّة والبنيةِ التحتية، ففتحَت مدارسَ حيثُ كانَ الجهل، ومستشفياتٍ حيثُ كانَ المرض، وجسورًا حيثُ كانَ الانقطاع.
أمّا السودانُ اليوم، فهو في حاجةٍ إلى يدٍ تمتدُّ بالبناءِ لا بالمزايدة، وإلى شريكٍ يرى فيه فرصةً لا عبئًا. وتركيا بما تملكُ من خبرةٍ في إعادةِ الإعمارِ وثقلٍ في المنظّماتِ الدوليةِ وعلاقاتٍ راسخةٍ في الشرقِ والغرب، قادرةٌ أنْ تكونَ جسرًا يعبرُ عليه السودانُ من محنتِه إلى عافيتِه.
وقد أثَّلَت العلاقاتُ بين البلدَين على أرضيةٍ صلبة، وما يُبنى اليومَ على هذا الأساسِ مرشَّحٌ أنْ يكونَ أمتنَ ممّا سبق؛ لأنّه يأتي في وقتٍ يعرفُ فيه السودانُ قيمةَ الوفاءِ ويُميِّزُ بين مَن جاءَ ليُفيدَ ومن جاءَ ليستفيد.
وليس في السياسةِ ما يمنعُ أنْ تكونَ المصالحُ المشتركةُ طريقًا إلى الخير؛ فكثيرٌ من الشراكاتِ التي بدأَت بحساب انتهَت بوفاء. والأُمَمُ لا تبني مجدَها بالنوايا المجرَدة، بل بالمصالحِ التي يجد فيها كلُّ طرفٍ ما يكفيه، ثمّ يتجاوزُه إلى ما ينفعُ غيره.
والأيّامُ – إنْ صدقَ العزمُ وأُحسِنَ البناء – كفيلةٌ بأنْ تُبيِّنَ أنّ هذا اللقاءَ كانَ بذرةً في أرض خصبة، لا زهرةً تُقطفُ ثمّ تذبل. فللسودانِ من طاقاتِه ما يُغري الشركاءَ الصادقين، ولتركيا من إرادتِها ما يُؤهِّلُها لأنْ تكونَ خيرَ سندٍ في خيرِ وقت.
لقاء البرهان وأردوغان ليس مجرّد صورة دبلوماسية، بل فرصة حقيقية لشراكة بناءة تنطلق من مصالح مشتركة وتاريخ ثقة متبادلة — والسودان اليوم في أمسّ الحاجة لمثل هذا الرصيد.


