البرهان في مسقط: زيارة استراتيجية تُعيد رسم تحالفات السودان الخليجية
مسقط، 21 أبريل 2026 — حين تُفتح أبواب قصر البركة لاستقبال رئيس مجلس السيادة السوداني، فهذا ليس مجرد بروتوكول دبلوماسي بين دولتين صديقتين — إنه بيان موقف في زمن يشتعل إقليمياً. وصل الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى العاصمة العُمانية مسقط في زيارة رسمية، ليعقد مباحثات مع جلالة السلطان هيثم بن طارق، في لقاء يحمل أبعاداً تتجاوز التعاون الثنائي المعتاد.
الرجل الذي يقود السودان في أعقد مراحله — حرب داخلية مشتعلة، ضغوط دولية متصاعدة، وأزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بالأسوأ في العالم — يصل إلى مسقط ليؤكد موقفاً واضحاً: السودان يدين الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، ويضع نفسه في الجانب الخليجي من معادلة الاستقطاب الإقليمي. هذه الجملة وحدها كافية لجعل هذه الزيارة حدثاً استراتيجياً لا دبلوماسياً فحسب.
تشريح الوفد: من يرافق البرهان يقول الكثير
لا يُختار أعضاء الوفد الرسمي بالصدفة في الزيارات السيادية. البرهان رافقه في مسقط ثلاثة أسماء لها دلالتها:
السفير محي الدين سالم، وزير الخارجية — حضوره يؤكد أن الزيارة ذات طابع دبلوماسي رسمي وليست اجتماع قمة عابراً.
الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، مدير جهاز المخابرات العامة — وهو العنصر الأكثر إثارة للتساؤل. حضور رئيس جهاز الاستخبارات في زيارة رسمية يُشير إلى أن على طاولة المباحثات ملفات أمنية ومعلوماتية لا تُذكر في البيانات الرسمية. وعُمان، بحكم موقعها الفريد كدولة تحتفظ بعلاقات مع مختلف الأطراف الإقليمية، قد تكون وسيطاً قيّماً في تبادل المعلومات أو تيسير قنوات اتصال.
السفير عصام عوض أحمد متولي، سفير السودان لدى السلطنة — إضافته للوفد إجراء بروتوكولي لكنه يُشير إلى مستوى الاهتمام السوداني بتعزيز القناة الدبلوماسية الدائمة مع مسقط.
التحليل الجيوسياسي
تأتي هذه الزيارة في سياق إقليمي بالغ التعقيد: التوترات الإيرانية-الخليجية في ذروتها، والسودان يمر بأزمة وجودية تحتاج إلى دعم خليجي مالي وسياسي. اختيار مسقط تحديداً له دلالة مزدوجة: فعُمان هي الدولة الخليجية الأكثر توازناً في علاقاتها مع طهران تاريخياً، وإدانة البرهان الصريحة للاعتداءات الإيرانية على أراضيها تُعطي الموقف السوداني ثقلاً رمزياً أكبر — فهو لا يُدين إيران أمام خصومها التقليديين، بل أمام الدولة التي كانت تحتفظ بأفضل العلاقات معها في منطقة الخليج. هذا الاختيار يكشف عن وعي دبلوماسي سوداني لا يُستهان به، ويُشير إلى أن الرسالة مُصمَّمة بعناية لتصل إلى طهران بأوضح صورة ممكنة.
عُمان والسودان: علاقة أعمق من البيانات
الروابط السودانية العمانية ليست وليدة اليوم. تمتد جذورها عبر عقود من الروابط الإنسانية والتجارية والمجتمعية، وقد احتضنت السلطنة آلاف السودانيين الذين لجأوا إليها بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023. وقد أشاد البرهان صراحةً في لقاء مسقط بـ”كرم الضيافة الذي حظي به السودانيون الذين لجأوا للسلطنة بسبب الحرب” — وهي إشارة تُظهر أن الجانب الإنساني حاضر بقوة في الحسابات الدبلوماسية.
من جانبه، شدد السلطان هيثم على “تميز العلاقات العمانية السودانية وأواصر الأخوة التاريخية بين الشعبين”، مُبدياً حرص السلطنة على “فتح آفاق جديدة للعمل الثنائي خلال الفترة المقبلة”. وهذه العبارة — “آفاق جديدة” — تحمل تلميحاً بأن ثمة اتفاقيات أو مذكرات تعاون على الطريق لم يُكشف عنها بعد.
“أكد البرهان موقف السودان الثابت الداعم لاستقرار وسيادة سلطنة عمان ودول الخليج الشقيقة، مشدداً على إدانة السودان ورفضه للاعتداءات الإيرانية”
— بيان إعلام مجلس السيادة الانتقالي، 21 أبريل 2026
الجدول الزمني: دبلوماسية السودان في زمن الحرب
تتعرض حكومة بورتسودان لضغوط دولية متصاعدة وتحاول بناء شبكة دعم إقليمية وسط الأزمة.
زيارات متبادلة وتصريحات داعمة من الرياض وأبوظبي، مع تنسيق أمني متصاعد لمواجهة تمدد الدعم السريع.
البرهان يُدين الاعتداءات الإيرانية أمام السلطان هيثم ويؤكد الانحياز الخليجي في أوضح صياغة رسمية حتى الآن.
المقارنة: ماذا تكسب كل دولة من هذه الزيارة؟
| الجانب | ما يكسبه السودان | ما تكسبه عُمان |
|---|---|---|
| السياسي | دعم خليجي رسمي وشرعية دبلوماسية | تعزيز دورها كوسيط إقليمي فاعل |
| الأمني | تبادل معلومات استخباراتية محتمل | شريك مستقر على البحر الأحمر وأفريقيا |
| الاقتصادي | آفاق استثمار وتعاون مالي مرتقب | فرص في السوق السودانية ما بعد الحرب |
| الإنساني | اعتراف بدور عُمان في استضافة النازحين | تعزيز صورتها الإنسانية إقليمياً |
| الرمزي | رسالة للقوى الدولية بوجود دعم خليجي | تأكيد حضورها في الملف السوداني |
إدانة إيران: الجملة التي تستحق وقفة
في البيان الرسمي لإعلام مجلس السيادة، وردت عبارة لافتة: “إدانة السودان ورفضه للاعتداءات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي”. هذه الجملة تستحق تحليلاً مستقلاً لأنها تمثّل تحولاً في النبرة الرسمية السودانية تجاه طهران.
تاريخياً، تميّز السودان في عهود سابقة بعلاقة وثيقة مع إيران، وصلت حد الشراكة الاستراتيجية في بعض المراحل. اليوم، يقف البرهان في قصر عُماني — أمام سلطان دولة اشتُهرت بتوازنها مع طهران — ليُدين صراحةً الاعتداءات الإيرانية. هذا التوقيت وهذا المكان لم يُختارا عشوائياً، والرسالة الموجَّهة لطهران تقرأ بوضوح: السودان لم يعد في المنطقة الرمادية.
السيناريوهات: ماذا يترتب على مسقط؟
ما يعنيه لصانع القرار
خلاصة الملف: السودان يُعيد رسم خريطة تحالفاته
زيارة مسقط ليست حدثاً معزولاً — إنها حلقة في سلسلة تحولات دبلوماسية تُعيد السودان تدريجياً إلى المدار الخليجي بعد سنوات من التأرجح. والبرهان الذي يصل إلى قصر البركة بوفد يضم رئيس جهاز المخابرات ووزير الخارجية، يُدرك جيداً أن الحرب لا تُكسب بالسلاح فقط — بل بالتحالفات التي تُبنى في قصور العواصم الهادئة بعيداً عن ضجيج الميادين.
عُمان، بتوازنها الفريد وعلاقاتها الواسعة، شريك استراتيجي لا يُستهان به في هذه المعادلة. والسودان الذي يُدين إيران من مسقط، يُرسل رسالة واحدة إلى العالم: اخترنا جانبنا.
- بيان إعلام مجلس السيادة الانتقالي السوداني — 21 أبريل 2026
- وكالة الأنباء العُمانية الرسمية
- أرشيف العلاقات السودانية العُمانية — SudanDesk
- تقارير الشرق للأخبار حول الدبلوماسية السودانية 2026
