البرهان وسط جماهير المصارعة الحرة
في ساحة الحاج يوسف.. المصارعة الحرة تعيد السودان إلى ذاكرته الشعبية
خاص: SudanDesk
في السودان، هناك أشياء لا تحتاج إلى تعريف. يكفي أن تراها حتى تعرف أنك أمام هذا البلد العريق الذي ظل يحتفظ بروحه رغم تبدل الأزمنة وتعاقب المحن. ومن بين تلك الصور التي بقيت عصية على الغياب، تقف المصارعة الحرة كواحدة من أكثر الملامح التصاقاً بالوجدان الشعبي السوداني.
المصارعة عند السودانيين ليست مجرد منافسة رياضية تُقام داخل ميدان ترابي تحيط به الجماهير. هي امتداد لسيرة طويلة من الفروسية والهيبة والانتماء للأرض. رياضة خرجت من قلب المجتمع، من حياة البسطاء والرعاة والمزارعين والشباب الذين تربوا على الصبر وقوة الاحتمال واحترام الخصم.
وفي السودان القديم، كانت الساحات الشعبية أشبه بمدارس مفتوحة يتعلم فيها الناس معاني الرجولة والانضباط ورباطة الجأش. وكان المصارع الحقيقي لا يُقاس فقط بقدرته على إسقاط خصمه، بل بأخلاقه داخل الميدان وهيبته أمام الناس.
وحين تبدأ الطبول، وتتعالى الهتافات، ويتقدّم المصارع بخطوات ثابتة نحو الساحة، فإن المشهد كله يتحول إلى لوحة سودانية خالصة. الأطفال فوق الأكتاف، الشيوخ يتابعون بعيون تعرف تاريخ هذه الرياضة جيداً، والشباب يرددون الأهازيج القديمة وكأنهم يعيدون إحياء ذاكرة بعيدة لا تزال تسكن النفوس.
مشهد الحاج يوسف.. التراث حين يعود إلى الواجهة
ولعل ما شهدته ساحة ملعب الحاج يوسف في الخرطوم أخيراً أعاد هذه الصورة إلى الواجهة من جديد، حين حضر السيد رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان جانباً من منافسات منشط المصارعة الحرة، وسط حضور جماهيري كبير وتفاعل واضح من المشاركين ومحبي الرياضة الشعبية.
ذلك المشهد لم يكن مجرد مناسبة رياضية عابرة. بل بدا وكأنه استدعاء لذاكرة سودانية قديمة تعرف جيداً كيف تصنع الفرح الجماعي حول تراثها الشعبي. الجماهير التي احتشدت حول الساحة لم تكن تتابع نزالات فحسب، بل كانت ترى جزءاً من ملامحها الثقافية وهي تعود للحياة وسط الهتافات وإيقاع الطبول.
السوداني بطبعه يحب التجمع حول ما يشبهه. حول ما يحمل رائحة الأرض وصوت الناس وحكايات القرى القديمة. ولهذا بقيت المصارعة الحرة محافظة على مكانتها في النفوس، حتى مع تغير شكل المدن وتبدل إيقاع الحياة.
رياضة تحفظ معنى القوة السودانية
في كردفان ودارفور والنيل الأزرق وأجزاء واسعة من السودان، كانت المصارعة دائماً مرتبطة بالقوة التي يحكمها الأدب، وبالحماس الذي لا ينفصل عن الاحترام. وكانت الجماهير تنظر إلى المصارع باعتباره نموذجاً للشجاعة والثبات وحفظ الكرامة.
ولذلك لم تكن المصارعة الحرة في السودان يوماً مجرد استعراض بدني. كانت طقساً اجتماعياً يعلّم الشباب كيف يقفون بثقة، وكيف ينافسون بشرف، وكيف يحافظون على تقدير الناس بعد الفوز وقبل الخسارة.
في تلك الساحات، يتعلّم الناس أن القوة وحدها لا تكفي. لا بد معها من خلق، ومن ثبات، ومن قدرة على ضبط النفس أمام الجمهور. ولذلك ظل المصارع الشعبي في المخيلة السودانية شخصية لها احترام خاص، لأنه يحمل على كتفيه شيئاً من صورة المجتمع وقيمه القديمة.
السودان الذي تصنعه العادات والتقاليد
السودان، في جوهره الحقيقي، ليس بلداً تصنعه السياسة وحدها. بل تصنعه تلك التفاصيل الصغيرة التي بقيت حيّة رغم كل شيء. جلسات الشاي تحت ظلال البيوت، المدائح في الليالي العامرة، الأعراس التي تجتمع فيها القرى، وساحات المصارعة التي تلتقي فيها الأجيال حول تراث واحد.
في البيوت السودانية، ما زال الكرم باباً مفتوحاً لا يحتاج إلى موعد. وفي المناسبات، ما زالت النفرة حاضرة، يحمل الناس بعضهم بعضاً في الفرح والحزن. وفي الأسواق الشعبية، تسمع السودان كله في لهجاته وأزيائه ووجوهه المتعددة.
هذه العادات ليست زينة اجتماعية عابرة. إنها العمود الخفي الذي ظل يمسك المجتمع السوداني في أصعب اللحظات. وحين تعود المصارعة الحرة إلى المشهد الجماهيري، فإنها لا تعيد رياضة فقط، بل تعيد معها معنى الاجتماع حول قيمة مشتركة.
ذاكرة لا تنكسر
ولهذا فإن حضور الآلاف لمتابعة منافسات المصارعة الحرة يحمل معنى أكبر من مجرد متابعة رياضة شعبية. إنه إعلان واضح بأن هذا الشعب ما زال متمسكاً بجذوره، وأن ذاكرته الثقافية لا تزال قادرة على جمع الناس حولها مهما اشتدت الظروف.
فالشعوب لا تحفظ نفسها بالشعارات وحدها. تحفظ نفسها بما يبقى في الوجدان من عادات وتقاليد وأغانٍ ورياضات وطقوس شعبية. والسودان، رغم كل ما مر به، ما زال يملك هذه القدرة العجيبة على استدعاء روحه من أبسط المشاهد وأكثرها صدقاً.
وفي السودان، تبقى بعض الأشياء أكبر من أن تختفي. تبقى الطبول القديمة تعرف طريقها إلى القلوب، وتبقى الساحات تحفظ أسماء الرجال، وتبقى المصارعة الحرة شاهدة على بلدٍ ظل، رغم كل ما مر به، محتفظاً بملامحه الأصيلة وكرامة ناسه ودفء روحه القديمة.


